في خطوة جريئة تعيد هندسة المشهد الصحي وتضرب بقوة في عمق تنظيم المؤسسات الاستشفائية، تتجه الحكومة المغربية إلى إسقاط الصفة المالية المستقلة عن 40 مركزا استشفائيا عموميا موزعة على خمس جهات بالمملكة. هذا القرار الذي سيدخل حيز التفيد بداية من 1 يناير 2027 يعلن رسمياً طي صفحة “مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة” (SEGMA) بالنسبة لهذه المؤسسات، لدمجها كلياً ضمن منظومة “المجموعات الصحية الترابية”.
وبينما تقدم الحكومة هذا الورش باعتباره رافعة أساسية لتوحيد الرؤية الجهوية وتجويد الخدمات وتقريبها من المواطن، يرى خبراء واقتصاديون أن الخطوة تحمل في طياتها تحولات جذرية في قنوات تدفق الموارد، وآليات الرقابة المالية، وطبيعة الإنفاق العمومي على قطاع استراتيجي أنهكته التفاوتات المجالية والاختلالات المزمنة.
بموجب التوجهات الجديدة، سيتم حذف المراكز الاستشفائية المعنية من لائحة مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، وهو ما يعني مركزة وتنظيم ميزانياتها وتدبير مواردها تحت مظلة المجموعات الصحية الترابية. ويتزامن هذا التحول الهيكلي مع ضخ اعتمادات مالية ضخمة تناهز 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب رصد 5400 منصب مالي جديد برسم الميزانية المقبلة.
ويهدف هذا الإجراء إلى القطع مع التفاوتات المالية والفوارق الحادة في القدرة التدبيرية بين مستشفى وآخر. وإخضاع ميزانيات المجموعات الصحية لآليات مصادقة ورقابة مالية مركزية وجهوية دقيقة.
وتوجيه الموارد نحو الأولويات الملحة المرتبطة بالاستجابة لحاجيات ورش تعميم الحماية الاجتماعية ورعاية المرضى. إعادة رسم الخريطة الصحية.
لم يأتِ قرار إنهاء التدبير المالي المستقل لـ40 مستشفى من فراغ؛ فقد كشفت ممارسات السنوات الماضية عن حدود النموذج القديم (SEGMA) الذي اعتمد على تحصيل المداخيل الذاتية للمستشفيات، وهو ما أدى أحياناً إلى تفاوتات كبيرة في جودة الخدمات وصعوبات مالية وهيكلية واجهت المستشفيات في المناطق ذات الهشاشة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يوضح خبراء في الاقتصاد الصحي أن النظام القديم كان يخلق نوعاً من “التنافس غير المتكافئ” وفوضى في تدبير المداخيل والنفقات الصغرى، مما فتح الباب أمام اختلالات تدبيرية متعددة. ومن خلال نقل تدبير هذه المستشفيات إلى المجموعات الصحية الترابية، تسعى الحكومة إلى خلق أقطاب صحية جهوية قوية قادرة على استيعاب الميزانيات الضخمة المرصودة للقطاع بفعالية أكبر، وضمان توجيه الدعم العمومي حيث الحاجة الماسة دون إلقاء عبء التمويل الذاتي على مرافق تستقبل الطبقات المعوزة أساساً.
على الرغم من الطابع الإصلاحي الجريء للخطوة، إلا أن متتبعين للشأن العام يثيرون جملة من التحديات والأسئلة الحرجة التي تنتظر التنفيذ الميداني من بينها رهان الشفافية ونجاعة الإنفاق مع تراجع الموارد المباشرة لبعض المرافق المستقلة، يصبح لزاماً إرساء آليات شفافة لتدبير الاعتمادات المخصصة للمجموعات الصحية الترابية لمنع أي هدر محتمل أو بطء فيدرالي في الصفقات. والاستقلالية الإدارية مقابل المركزية المفرطة حيت يخشى بعض الفاعلين المهنيين أن يؤدي إلغاء التدبير المستقل إلى تقييد مرونة الإدارات الاستشفائية المحلية في مواجهة الحالات الطارئة واقتناء المستلزمات الطبية المستعجلة بالسرعة المطلوبة.
ويبقى المحك الحقيقي لأي قرار مالي أو هيكلي هو انعكاسه المباشر على جيوب المرتفقين، وتحسين ظروف عمل الأطر الصحية التي تشكل عصب المنظومة، والحد من طوابير الانتظار الطويلة داخل المستشفيات العمومية.
خلاصة القول، إن إنهاء الاستقلال المالي لـ40 مستشفى عمومياً ليس مجرد إجراء محاسباتي عابر ضمن قوانين المالية، بل هو زلزال تنظيمي يمهد لميلاد جيل جديد من الحكامة الاستشفائية بالمغرب. وحدها الأيام المقبلة وفعالية المجموعات الصحية الترابية ستكشف ما إذا كان هذا التحول سيشكل طوق نجاة للمرفق العمومي الصحي، أم سيصطدم بتعقيدات التنزيل الميداني.

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً