في خطوة وصفت بالأحدث والأكثر دراماتيكية على مستوى السياسات التجارية الإقليمية في شمال وغرب إفريقيا، دخل قرار الحكومة المغربية القاضي بتعليق منح تراخيص جديدة لتصدير المنتجات الفلاحية (الخضر والفواكه) نحو الدول الإفريقية حيز التنفيذ.
هذا الإجراء، الذي استهدف بالدرجة الأولى إعادة ترتيب أوراق السوق الداخلية، فتح باباً واسعاً من التساؤلات والتوترات حول تداعياته المباشرة على دول الجوار، وعلى رأسها موريتانيا، فضلاً عن إثارة نقاشات جيوسياسية واقتصادية واسعة حول حدود الأمن الغذائي وتداخل السياسة بالاقتصاد.
أرجعت الجهات الحكومية المعنية في المغرب هذا القرار المؤقت إلى ضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة وتحقيق التوازن المنشود بين متطلبات التصدير وحجم الإمدادات الموجهة للاستهلاك المحلي. فقد شهدت الأسواق المغربية خلال الآونة الأخيرة موجة من الارتفاعات الحادة في أسعار مواد أساسية مثل الطماطم، البطاطس، وأنواع مختلفة من الخضر والفواكه، مما أثار موجة غضب شعبية وانتقادات حادة موجهة لسياسات التصدير المكثف التي كانت تستنزف الفرشة المائية والموارد الزراعية لصالح الأسواق الخارجية.
وعلى الرغم من التأكيدات الرسمية بأن الإجراء اقتصادي بحت ويستهدف ضبط السوق ومحاربة المضاربات، إلا أن المحللين ينظرون إلى الملف من زوايا متعددة، كالضغط العكسي على الموارد المائية حيت يعاني المغرب من أزمة جفاف هيكلية ومتواصلة، مما جعل استمرار تصدير محاصيل استهلاكية شرهة للمياه (مثل الطماطم والبطيخ) محل انتقاد شديد من الخبراء البيئيين.
فيما رأى بعض المحللين السياسيين أن توقيت القرار وطابعه الشامل تجاه الوجهات الإفريقية يحمل أبعاداً غير منفصلة عن التوترات الدبلوماسية المستمرة، خصوصاً مع موريتانيا وبعض دول الجوار، حيث وُصف أحياناً بأنه “سلاح اقتصادي غير رسمي” لإعادة ضبط الإيقاع الدبلوماسي وتذكير الجيران بحيويّة السوق المغربي كممون رئيسي للأمن الغذائي.
وأثار استثناء الاتحاد الأوروبي من قرار الحظر أو التقييد موجة استياء واسعة وتساؤلات مشروعة حول المعايير المعتمدة؛ فبينما جرى إغلاق صنبور الصادرات في وجه الأسواق الإفريقية (وعلى رأسها موريتانيا)، فقد ظلت الشحنات الفلاحية تنساب نحو الموانئ والأسواق الأوروبية (فرنسا وإسبانيا وغيرها).
ويفسر خبراء الاقتصاد هذا التباين بكون الارتباط بالسوق الأوروبية محكوماً باتفاقيات تبادل حر معقدة،التزامات تعاقدية صارمة لكبريات الشركات الفلاحية العابرة للقارات، فضلاً عن كون الصادرات الموجهة لأوروبا تدر عملات صعبة حيوية للاقتصاد المغربي، في حين تُعد السوق الإفريقية متنفساً تجارياً جغرافياً قريباً ولكنه يفتقر لنفس الحصانة التعاقدية الكبرى، مما يجعلها الحلقة الأسهل امتصاصاً للصدمات الداخلية.
تُعتبر موريتانيا المتضرر الأكبر والمباشر من هذا القرار، بحكم الاعتماد الشبه الكلي لأسواقها اليومية على الخضر والفواكه القادمة عبر المعبر الحدودي الكركرات. وفور دخول القرار حيز التنفيذ، سجلت الأسواق الموريتانية (خاصة في نواكشوط ونواذيبو) قفزات جنونية في أسعار الخضر الطازجة، وخاصة الطماطم والبصل والبطاطس، حيث تحولت هذه المواد إلى سلع شبه نادرة أو باهظة الثمن، مما اثقل كاهل المواطن الموريتاني البسيط وأثار موجة استياء واسعة.
وضع هذا الحظر الحكومة والتاجر الموريتاني أمام حتمية البحث العاجل عن أسواق بديلة لتأمين حاجيات الاستهلاك المحلي، سواء عبر استيراد مواد مجمدة أو محاولة فتح خطوط إمداد بحرية وجوية جديدة، أو الاعتماد على الإنتاج المحلي الموسمي المحدود، وهي خيارات تتطلب وقتاً وتكلفة لوجستية عالية.
و تأثرت شبكات التجارة العابرة للحدود (التي تلعب موريتانيا دور المحطة فيها أحياناً نحو السنغال وغيرها) بتراجع تدفق السلع المغربية. في الجزائر المجاورة، على سبيل المثال، استغل بعض المراقبين والمنصات الإعلامية الأزمة لتسليط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد الإقليمية، تزامناً مع أزمات محلية أخرى تعاني منها أسواق بعض الدول المغاربية في توفير بعض المواد الأساسية مثل البطاطس، مما يعكس مدى التشابك العميق للأمن الغذائي في المنطقة المغاربية برمتها رغم الخلافات السياسية.
يكشف قرار المغرب تعليق تصدير الخضر والفواكه نحو إفريقيا عن هشاشة نموذج التنمية الفلاحية الموجه للتصدير في مواجهة تقلبات المناخ وضغوط التضخم الداخلي. كما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمن الغذائي بات سلاحاً استراتيجياً ووورقة ضغط لا تقل أهمية عن النفوذ العسكري والسياسي.
بالنسبة لموريتانيا ودول المنطقة، يمثل هذا الإجراء جرس إنذار مبكر لضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي الفلاحي وتنويع الشركاء التجاريين لتفادي الوقوف طويلاً تحت رحمة “صنبور الإمداد” الخارجي الذي قد يُغلق في أي لحظة لدواعي أمنية أو سياسية داخلية. أما على المدى القريب، فستبقى الأسعار المشتعلة والبحث عن بدائل لوجستية هي العنوان الأبرز للمشهد الاقتصادي في المنطقة.

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً