شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، يوم الجمعة 30 أكتوبر، محطة سياسية فارقة وحاسمة في مسار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية. فقد جاءت جلسة التصويت على مشروع القرار الأمريكي لتفرز مشهداً سياسياً معقداً، طبعه استخدام حق النقض (الفيتو) من طرف روسيا ، والذي رافقته تحولات استراتيجية في تعاطي الأطراف المعنية مع الملف، وعلى رأسها المملكة المغربية والجزائر وجبهة البوليساريو.
التأم مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 30 أكتوبر للتصويت على مسودة قرار أمريكية تميزت بكونها “جريئة ومتكاملة”، حيث سعت إلى دفع مسار التسوية نحو أفق سياسي نهائي يرتكز على حصر المفاوضات في خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإعادة هيكلة مهام بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).
وعلى الرغم من حصد المشروع الأمريكي للأصوات المطلوبة لاعتماد القرارات الموضوعية داخل المجلس (9 أصوات فما فوق)، إلا أن استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) أسقط مشروع القرار، مانعاً إياه من التحول إلى قرار أممي ملزم. هذا الاستخدام للفيتو خلق منعطفاً قانونياً ودبلوماسياً، اعتبره مراقبون إعادة خلط للأوراق، بينما رأت فيه الرباط فرصة لإعادة التفكير الجذري في جدوى استمرار مقاربة التسيير الأممي الطويل للنزاع.
من الناحية الشكلية والقانونية، تسبب “الفيتو” الروسي في إجهاض مسودة القرار الأمريكي. غير أن قراءة مآلات هذا السقوط أثارت جدلاً واسعاً حول الطرف المستفيد حقاً:
فقد اعتبرت الدوائر السياسية بالمغرب أن صمود المقاربة المغربية وحصولها على دعم أغلبية وازنة داخل مجلس الأمن، فضلاً عن كون المبادرة أمريكية، يعكس تكريساً دولياً لواقع أن الحكم الذاتي هو الحل الأوحد والأكثر واقعية. وفي السياق ذاته، اعتبرت رؤى مغربية أن تعثر المسار الأممي بهذه الطريقة يعري عجز الآليات التقليدية لمجلس الأمن عن طي الملف، مما يمنح المغرب مبرراً سيادياً وقانونياً لتعزيز مقاربته الميدانية والجهوية الموسعة في أقاليمه الجنوبية.
بينما سعت البوليساريو والدول الراعية لها إلى تصوير “الفيتو” الروسي بمثابة انتصار يعرقل محاولات حصر الحل في مقترح الحكم الذاتي؛ غير أن الخبراء الاستراتيجيين يرون أن هذا التعطيل لا يغير شيئاً من موازين القوى الميدانية ولا يلغي المكاسب الدبلوماسية المتراكمة للمغرب، بل يكرس حالة الجمود التي تسعى واشنطن وعواصم غربية أخرى لتجاوزها عبر حلول براغماتية حاسمة.
لم تقتصر ردود الفعل المغربية على الترافع الدبلوماسي القوي الذي قاده السفير الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، والذي عرى من خلاله تناقضات الموقف الجزائري ومحاولات تنصلها من كونها طرفاً رئيسياً في النزاع، بل تجاوز ذلك إلى تطورات مؤسساتية كبرى.
عقب جلسة مجلس الأمن، صدر بلاغ هام عن الديوان الملكي المغربي يدعو صراحة إلى سحب ملف الصحراء المغربية من أروقة الأمم المتحدة، في خطوة تعكس نفاد صبر المملكة إزاء التماطل الدولي المستمر لعقود.
أكدت الرباط أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، وأن الرهان اليوم يتحول نحو التنزيل الكامل للجهوية الموسعة في الأقاليم الجنوبية، ومضاعفة الاعترافات الدولية، والتأكيد على حماية الحدود والمنطقة العازلة بكل صرامة في إطار الثوابت الوطنية.
من جانبها، حاولت الجزائر التقاط أنفاسها إثر إجهاض القرار عبر “الفيتو”، مواصلةً الترويج لخطابها التقليدي الذي يدعي دعم ما تسمى “قرارات الشرعية الدولية وحق تقرير المصير”. غير أن الدبلوماسية المغربية نجحت في كشف العزلة الوظيفية للجزائر ومسؤوليتها المباشرة عن الأزمة الإنسانية في مخيمات تندوف، خصوصاً بعد إثارة ملفات الإحصاء وحرية التنقل والعودة أمام المنتظم الدولي.
أما قيادة البوليساريو في تندوف فهي نعيش على وقع تخبط داخلي مستمر وتصدعات متزايدة، حاول الإعلام التابع لها التغطية عليها عبر التشبث بشعارات “عدم سقوط حق تقرير المصير بالتقادم”. غير أن السقوط المتتالي لرهانات الجبهة واصطدامها بالواقع الدولي الذي بات يميل حصرًا نحو الطرح المغربي، أضعف موقفها التفاوضي وجعلها في وضعية انكشاف سياسي وإنساني تام.
الولايات المتحدة الأمريكية أبدت انزعاجها من استمرار تعطيل الحلول البراغماتية، مؤكدة تمسكها بمقاربة واقعية تُنهي هذا النزاع الإقليمي الذي طال أثره على استقرار شمال إفريقيا.
بينما روسيا والصين عكست مواقفهما خلال الجلسة (ما بين الفيتو والامتناع) حسابات جيو-استراتيجية تخص مصالحهما الدولية أكثر من كونها مناهضة لجوهر الوحدة الترابية للمغرب، وهو ما دفع المتابعون للقول إن الملف بات رهينة لتجاذبات القوى الكبرى، ممابرر التوجه المغربي السيادي نحو طي الصفحة الأممية.
يُسدل الستار على محطة 30 أكتوبر ليؤكد أن نزاع الصحراء المغربية دخل مرحلة اللاعودة. فبينما يصر المغرب، بقيادة العاهل المغربي، على حسم الملف نهائياً من خلال تكريس سيادته الفعلية، وتوسيع مسار التنمية والاعترافات الدولية، وسحب الغطاء عن مسارات أمميّة أثبتت عجزها، تجد أطراف الخصومة نفسها أمام جدار من الواقع الصلب. إنها مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: “الحزم السيادي، طي أوراق الماضي، وفرض وقائع ميدانية لا تقبل التراجع”

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً