ميديا لايف " محمدية لايف " جريدة إلكترونية شاملة بالمحمدية | Media Live

آخر تحديث: أكتوبر 22, 2026 - 8:49 م

زيارة ماكرون لدول الخليج….. رحلة استجداء صريحة للنفط والديزل


زيارة ماكرون لدول  الخليج….. رحلة استجداء صريحة للنفط والديزل
أكتوبر 22, 2026 - 8:49 م

في مشهد يعكس بدقة مأزق الدول الأوروبية الكبرى المتاخمة لجدران أزماتها الاقتصادية الخاصة، حطّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رحاله في منطقة الخليج العربي في جولة دبلوماسية مكثفة. جاءت هذه الجولة محاطة بعاصفة من التحديات الداخلية التي تفجرت في الشارع الفرنسي على وقع احتجاجات عارمة مناهضة لغلاء المعيشة وأسعار الوقود القياسية.

وبينما يحاول قصر الإليزيه تسويق الزيارة تحت يافطة “تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتأمين الإمدادات”، فإن القراءة الموضوعية لطبيعة التوقيت والظروف والوفد المرافق تؤكد أنها أبعد ما تكون عن الدبلوماسية التقليدية؛ إنها باختصار “رحلة استجداء” صريحة للنفط والديزل، تعكس فشل السياسات الأوروبية في الفكاك من حبل الإمدادات الطاقوية الخانق.

لم تكن جولة ماكرون الخليجية وليدة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، بل فرضتها ظروف قاهرة تعصف بالجبهة الداخلية الفرنسية. فشوارع باريس ومدن أخرى تشهد منذ أسابيع أعمال عنف واحتجاجات واسعة بسبب الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات وتآكل القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي، فضلاً عن حراك طلابي وثطاعي محتدم.

وفي محاولة يائسة لامتصاص الغضب الشعبي وإيجاد “مخرج طوارئ” قبل أشهر معدودة من نهاية ولايته الرئاسية، وجد ماكرون نفسه مضطراً لارتداء ثوب الدبلوماسي المتجول، هارباً من جحيم الاحتجاجات الداخلية إلى عواصم الطاقة في الخليج. وهو ما عبر عنه بصراحة هشة حين أشار إلى أنه يعتزم أداء دوره حتى “الربع ساعة الأخير”، في إشارة توحي بقرب انتهاء حقبة سياسية تواجه إرثاً ثقيلاً من الإخفاقات الاقتصادية.

رافقت ماكرون في جولته التي شملت عدة دول خليجية (منها الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وصولاً إلى السعودية)، أسماء لامعة لكبريات شركات الطاقة والصناعة الفرنسية مثل “توتال إنيرجيز” (TotalEnergies) و”إنجي” (Engie).

والهدف هو البحث عن آليات لخفض أسعار الوقود، وضمان تدفقات عاجلة من الديزل والنفط الخام لمواجهة النقص الحاد في السوق الفرنسية. وتدرك عواصم الخليج جيداً أن أسواق النفط وإمداداته لا تُدار بالعواطف ولا بالزيارات البروتوكولية المتسرعة، بل تخضع لآليات تحالف “أوبك+” وحصص الإنتاج المدروسة بعناية، فضلاً عن ارتباط دول الخليج بتعاقدات طويلة الأجل موجهة نحو آسيا والأسواق الأكثر استقراراً ودفعاً.

وعلى الرغم من توقيع بعض اتفاقيات النوايا الهامشية مثل عقود لشركة “إيرباص” أو مذكرات تفاهم في قطاع الذكاء الاصطناعي والبيانات كما جرى في الكويت ، إلا أن هذه العقود تبدو بمثابة “أوراق توت” تُستعمل لتغطية الهدف الأساسي للزيارة: الحصول على استثناءات أو ضخ إضافي للوقود يخفف من وطأة الأزمة الفرنسية الحارقة.

لم يغب الجانب الأمني والعسكري عن جولة ماكرون؛ فقد حضرت ملفات تأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز وحماية خطوط إمداد الطاقة على طاولة المباحثات، متسلحة بوجود عسكري فرنسي سابق في المنطقة  شمل نشر حاملة الطائرات “شارل ديغول” ومقاتلات رافائيل.

غير أن دول الخليج باتت تنظر بريبة لهذه الترتيبات  الأمنية الغربية التي تسعى لاستخدام أمن الممرات المائية كأداة ضغط ومساومة للحصول على مكاسب طاقوية رخيصة، في وقت تبحث فيه المنطقة عن التهدئة الإقليمية وتنويع الشراكات الاقتصادية بعيداً عن الوصاية الأوروبية أو الأمريكية التقليدية.

تُجسد جولة إيمانويل ماكرون الخليجية السقوط المدوي لأسطورة الاستقلال الطاقوي والاقتصادي لفرنسا، الدولة التي طالما تغنت بقراراتها السيادية المستقلة. فالرئيس الذي يطرق أبواب الخليج مستجدياً قطرات النفط والديزل لإخماد نيران “السترات الصفراء” وامتداداتها المعيشية الجديدة، يعكس بوضوح حجم التآكل في النفوذ الفرنسي التقليدي.

لم تعد دول الخليج حديقة خلفية لباريس تلجأ إليها العواصم الأوروبية فقط عند وقوع الكوارث واشتعال الأزمات؛ بل أصبحت قوى إقليمية صلبة تملك أوراق اللعبة، وتنظر إلى هذه الزيارات بمنظور براغماتي بحت، عنوانه الأبرز: “لا شراكة مجانية، ولا طاقة بلا أثمان استراتيجية واضحة“.





اترك تعليقاً

تابعونا

faceBook Twitter Youtube Google Plus Instagram
.