الأستاذ / محمد خليلي

جاء العيد… فارتدت الأزقة والشوارع كفن الفوضى…!!!
ازدحام خانق في الطرقات حتى بدت السيارات كعلب سردين صدئة، ومحطات القطارات والحافلات تحولت إلى يوم حشر مصغر… عرق، صراخ، تدافع، ووجوه شاحبة أنهكها الغلاء… حتى المخابز أعلنت الاستسلام، فاختفى الخبز كما تختفي الأخلاق في لحظات الأنانية والتهافت…
وفي الأسواق… ترى المواطن البسيط واقفا كمن دخل مزادا دوليا لبيع الكلى، ينظر إلى الأسعار بعين دامعة وقلب مكسور… أب يريد إسعاد أطفاله، لكنه يكتشف أن الأضحية أصبحت مشروعا استثماريا يفوق قدرته وقدرة ميزانيته المنهكة… فتعود العائلات إلى بيوتها بجرح غائر، محملة بحزن تسقيه دموع اليأس والحاجة…
أما الشوارع بعد الذبح، فتتحول إلى لوحات سريالية من الدماء والأوساخ والروائح الخانقة؛ مدينة كاملة تبدو وكأنها خرجت لتوها من معركة بدائية بين الإنسان والحيوان…
في كل زاوية مشهد يصلح لفيلم رعب… رؤوس تُشوَّط فوق الحفر، وأسلاك كهربائية تمتد كالأفاعي بين الجدران، ودخان كثيف يصعد إلى السماء كأن الأحياء الشعبية دخلت حربا كيميائية…. أما الذباب، فقد وجد في حاويات القمامة مهرجانا دوليا مفتوحا لفضلات الأمعاء والدماء والتبن المتعفن…
ثم يأتيك من يحدثك عن أجواء العيد… أي أجواء هذه؟… أجواء الذباب؟ أم رائحة الأكارع والرؤوس المحروقة؟ أم طوابير الجحيم في النقل؟ أم معارك المرور التي تجعل الوصول إلى البيت عذابا نفسيا؟
ليتنا نفهم أن الدين ليس مرادفا للفوضى، وأن الشعائر لا تحتاج إلى كل هذا القبح كي تكون مقبولة… ليت الذبح يتم في مسالخ منظمة، تحت رقابة ونظافة واحترام للناس والبيئة، بدل تحويل الأحياء إلى خرائط للقمامة والاختناق الجماعي…
لكن يبدو أن البعض لا يشعر بأنه يعيش العيد إلا إذا اختنقت البيوت بالدخان، ونامت المدينة فوق جبل من الأوساخ، وتحولت الحياة إلى سيرك كبير للفوضى والضجيج والهمجية…
يا لها من شعيرة شوهناها حتى فقدت معناها… وتحولت من مناسبة للفرح والرحمة إلى موسم للبؤس والتعب والبكاء الجماعي…!!!

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً