الأستاذ محمد خليلي

هناك عبارة سمعتها مؤخرا… تبدو بسيطة في ظاهرها… لكنها حين تستقر في داخلك… تُعيد ترتيب حياتك من الجذور…
“السعادة ليست في امتلاك المزيد… بل في الاستغناء عن شيئين: التفكير فيما مضى… والخوف مما هو آت…”
الماضي… ذلك الضيف الثقيل الذي لا يمل طرق باب ذاكرتنا… نستقبله كل مرة كأنه سيحمل اعتذارا أو يعيد لنا ما فقدناه… لكنه لا يأتي إلا محملا بنفس الحكايات القديمة… نفس الندوب… نفس الأسئلة التي لا جواب لها… ننبش فيه كما لو كنا نحفر في الماء… نرهق أنفسنا دون أن نمسك بشيء… والحقيقة القاسية أن الماضي لا يُشفى بكثرة التفكير فيه… بل يُشفى حين نكف عن استدعائه…
أما المستقبل… فهو ذلك الشبح الذي نصنعه بأيدينا… ثم نخافه… نمنحه وجوها مظلمة… ونلبسه أسوأ الاحتمالات… ثم نرتجف أمامه وكأنه قدر محتوم… نقلق على أشياء لم تحدث… ونخاف من طرق لم نسلكها بعد… فنعيش في وهم الغد… ونحن نخسر اليوم… وكأننا نحمل مظلة في يوم مشمس… فقط لأن السماء قد تمطر…
بين ماض يستنزفنا… ومستقبل يُرعبنا… يضيع الحاضر… ذلك الكنز الصامت الذي لا يصرخ كي نلتفت إليه… يمر كنسمة خفيفة… بينما نحن منشغلون بعدّ خسائر الأمس… أو توقع كوارث الغد…
السعادة إذن… ليست لغزا معقدا… هي أشبه بباب خفيف… لكننا نُثقله بأيدينا… نعلق عليه ذكرياتنا كأقفال صدئة… ونربطه بمخاوفنا كحبال مشدودة… ثم نقف عاجزين أمامه… مستغربين… متسائلين… لماذا لا يُفتح؟؟؟
حين تتوقف عن محاكمة ما مضى… وعن استباق ما لم يأت… تكتشف أن الحياة لم تكن يوما ثقيلة… بل نحن من كنا نحملها بطريقة خاطئة…
لا تعش يومك كما لو أنه امتدادا لخطأ الأمس… ولا مقدمة لخوف الغد… بل عش كما لو أن حياتك كلها في هيئة يوم…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً