تصاعدت حدة التوتر في فرنسا عقب خروج تظاهرات حاشدة في العاصمة باريس وكبريات المدن، تخللتها مواجهات عنيفة مع قوات الأمن وأعمال اختراق وحرق للممتلكات العامة والخاصة، رغم قرارات حظر التجمع في المناطق الحساسة. وأعلنت السلطات الأمنية توقيف مئات الأشخاص وسط اتهامات لمجموعات من اليسار المتشدد بـ “حرف مسار الحراك الاحتجاجي”.

ورغم التدابير الاحترازية التي فرضتها وزارة الداخلية ومديرية شرطة باريس لمنع التجمعات قرب المقرات السيادية — كقصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد — نجح المتظاهرون في الوصول إلى جادة الشانزليزيه؛ ما دفَع المحلات التجارية إلى تحصين واجهاتها وإغلاق أبوابها خشية أعمال النهب والتخريب.

وشهدت  عدة أحياء باريسية ، من بينها ساحة “الجمهورية” وشارع “سيباستوبول”، مواجهات كر وفر بين المحتجين ورجال الشرطة؛ حيث جرى تحطيم واجهات متاجر ومطاعم شهيرة وسرقة محتوياتها، ما أسفر عن توقيف 163 شخصاً في العاصمة وحدها، ونحو 100 شخص آخرين لحيازتهم أسلحة ومواد محظورة.

ولم تقتصر التجاوزات على العاصمة؛ إذ شهدت مدن رئيسية مثل مرسيليا وليون وغرونوبل وأفينيون أعمال عنف أعادت للأنظار مشاهد احتجاجات “السترات الصفراء” عامي 2018 و2019:

وحاول محتجون اقتحام مركز للشرطة وهاجموا فرعاً آخر، كما اقتحموا مقر البلدية في المنطقة التاريخية، ما دفع العمدة بونوا بايان إلى المطالبة بتعزيزات أمنية عاجلة. كما  اجتاح محتجون المكتب السياحي بالمدينة وأضرموا فيه النيران، مانعين فرق الإطفاء من الوصول إليه.و تعرضت مقرات بلديات ومحافظات ومحال تجارية للتخريب في غرونوبل، وأفينيون، وبو، ومونبلييه، وتولوز، وفالانس. في المقابل، سجلت السلطات تنظيم مسيرات سلمية في مدن عدة من بينها بريست، وروان، وبايون، وكان.

وجاء هذا التصعيد في “يوم التعبئة” الخامس لحراك طلاب التعليم الثانوي والجامعي الاحتجاجي على ظروف التعليم، بعدما تداخل مع موجة استياء شعبي عارمة جراء غلاء المعيشة، وتراجع القوة الشرائية للطبقات الدنيا، والارتفاع غير المسبوق في أسعار المشتقات النفطية؛ ما أعاد نشطاء “السترات الصفراء” إلى الشوارع والمستديرات بقوة.

من جانب آخر  أدان وزير الداخلية لوران نونيز الهجمات العنيفة وإضرام الحرائق،  محملا المسؤولية  لمجموعات ملثمة ينتمي معظمها لـ “اليسار المتشدد” (بلاك بلوكز)، ومُصرحاً بشرعية استخدام القنابل الصوتية ووسائل فض التجمعات لتفريق المشاغبين، واستدعاء فرقة مكافحة الشغب المتخصصة (الفرقة رقم 8). كما دعا وزير العدل جيرالد دارمانان المدعين العامين إلى التشدد القضائي الصارم مع الموقوفين. وبدوره  أدان نائب عمدة باريس، إيمانويل غريغوار، أعمال التخريب معتبراً أنها “تسيء لمطالب الطلاب والنشطاء السلميين”، مشدداً في الوقت ذاته على ألا تكون الاحتجاجات ذريعة لممارسة العنف ضد المتظاهرين السلميين.

ودعت رئاسة الجمهورية والحكومة إلى التظاهر السلمي وحذرت من استغلال الحراك أيديولوجياً. وبينما أعلن اليسار الفرنسي تأييده للمطالب الاجتماعية والطلابية، صبّ اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف تركيزه على ضرورة استتباب الأمن والتنديد بأعمال العنف.

وكما هو الحال في المحطات الاحتجاجية الكبرى، تضاربت التقديرات حول أعداد المشاركين؛ حيث أعلنت “الكونفدرالية العامة للشغل” (CGT) أن نصف مليون شخص شاركوا في المظاهرات عبر مختلف المدن الفرنسية، في حين تميل الجهات الرسمية والأمنية إلى خفض هذه التقديرات.