ميديا لايف / القسم السياسي
في مشهد دراماتيكي غير مسبوق يعيد رسم خارطة التوازنات السياسية والدبلوماسية في ملف النزاع الإقليمي حول الصحراء، أصدرت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية للجمهورية الجزائرية، يوم السبت 31 أكتوبر 2026، بياناً رسمياً تعرب فيه عن “بالغ أسفها” إزاء المآل الذي آلت إليه جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم أمس الجمعة 30 أكتوبر، والتي شهدت إخفاق المجلس في تمرير مشروع القرار وتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو”.
هذا البلاغ، الصادر يعكس حجم الصدمة والارتباك الدبلوماسي في أروقة قصر المرادية، ويسلط الضوء بوضوح على مأزق استراتيجي تعيشه الدبلوماسية الجزائرية، وسط قراءات متباينة لطبيعة التحولات الكبرى التي بات يشهدها النظام الدولي ومجلس الأمن تجاه هذا الملف المفتفتلع منذ عقود.
توقف المتتبعون للشأن الدبلوماسي مطولاً عند عبارات البيان الجزائري الذي ركّز على نبرة الأسف العميق لفشل مجلس الأمن في تجديد ولاية “المينورسو”، معتبرة أن هذا التعثر يهدد مسار السلم والاستقرار الإقليمي. غير أن القراءة الرصينة لكواليس جلسة مجلس الأمن ليوم الجمعة تكشف أن الإخفاق لم يكن عارضاً، بل جاء تتويجاً لانسداد سياسي وتناقض حاد بين مشروع القرار الأمريكي المقترح والموقف الروسي المعارض الذي توّج بستخدم حق النقض “الفيتو”، في ظل انقسام دولي واسع حول صيغ ومحددات تسوية النزاع.
ويرى خبراء في العلاقات الدولية أن بلاغ الجزائر يكشف -بالملموس وبشكل غير مباشر- عن السقوط في محظور “إنكار الصفة”، حيث دأبت الدبلوماسية الجزائرية طيلة عقود على تقديم نفسها كـ “ملاحظ نزيه” أو “طرف غير مباشر” في النزاع، لتأتي صيغة البلاغ وتوقيته لتؤكد مجدداً الانخراط العضوي والمصيري للجزائر في تفاصيل المعادلة الأممية، متطابقة كلياً مع الأجندة والمواقف التي تتبناها جبهة البوليساريو.
أفرزت تطورات 30 أكتوبر 2026 واقعاً ميدانياً وسياسياً جديداً يطيح بالرهانات الكلاسيكية المرتبطة بتنظيم استفتاء تقرير المصير بصيغته القديمة، وهو ما ظهر جلياً في لغة البيان الجزائري الذي بدا عاجزاً عن تقديم بدائل واقعية سوى التشبث بمقولات الأمم المتحدة التاريخية التي تجاوزها الزمن الدبلوماسي وتطورات الأرض.
أجمع محللون سياسيون على أن لجوء الجزائر إلى إصدار بيان استنكاري وتأبيني لبعثة “المينورسو” يكرس عزلة طروحاتها في محفل دولي بات يتجه نحو تبني خيارات براغماتية تميل إلى الحلول السياسية الواقعية، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي الموسع التي تقدم بها المغرب كإطار أساسي جاد وموثوق لتسوية النزاع نهائياً.
في الوقت الذي تعاملت فيه أطراف أخرى في النزاع بهدوء استراتيجي وقراءة استباقية لتحولات ميزان القوى الدولي، أظهر البيان الجزائري تخبطاً في قراءة مآلات توقف مهام البعثة الأممية، مما ينذر بتصعيد خطابي محتمل تقوده الجزائر وصنيعتها في محاولة يائسة لتعويض هذا الانكسار الدبلوماسي المدوّي.
إن بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية الصادر يوم أمس ليس سوى صدىً سياسي لتسونامي دبلوماسي هز أركان المقاربة الجزائرية للنزاع. ومع طي صفحة التجديد التقليدي لـ “المينورسو” والدخول في مرحلة من الغموض المؤسساتي الأممي، يبدو جلياً أن المنطقة مقبلة على مخاض عسير، تفرض فيه الحقائق الميدانية والدعم الدولي المتزايد للوحدة الترابية للمغرب منطقها، بينما تستمر الجزائر في الدوران في فلك مواقف تقليدية لم تعد تسعفها لفرض وقائع جديدة على الأرض.

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً