الأستاذ محمد خليلي

في الوقت الذي أُعلن فيه عن زيادة تقارب 7000 درهم لفئة من رجال السلطة… يظل مربو ومربيات التعليم الأولي يقفون عند عتبة راتب هزيل لا يتجاوز 3000 درهم في أحسن الأحوال… رغم أن كثيرين منهم يحملون شهادات الإجازة والماستر…
هنا لا يتعلق الأمر فقط بالأرقام… بل بصورة عميقة لاختلال ميزان التقدير داخل المجتمع… فبينما تُفتح الأبواب واسعة لتكريم رجال السلطة وتحفيزهم… يُترك رجال ونساء التربية في الهامش… كأنهم مجرد تفصيل صغير في معادلة التنمية… مع أنهم الأساس الذي تُبنى عليه كل سلطة وكل إدارة وكل مستقبل…
التعليم الأولي ليس مرحلة عابرة… بل هو البذرة الأولى في تربة المجتمع… فإذا كانت البذرة توضع في يد مرب مثقل بالهشاشة والقلق المادي… فكيف ننتظر أن تنمو الشجرة مستقيمة؟ إننا نطالب المربي بأن يصنع الأمل في عيون الأطفال… بينما الأمل نفسه يغيب عن جيبه وعن واقعه اليومي…
المفارقة المؤلمة أن الدولة حين تريد بناء الطرق والجسور ترصد الميزانيات السخية… لكنها حين يتعلق الأمر ببناء الإنسان تتصرف وكأن الأمر قابل للتأجيل… والحال أن بناء الإنسان هو الجسر الحقيقي نحو المستقبل… وكل ما عداه مجرد إسفلت قابل للتشقق…
نحن لا نعترض على تكريم رجال السلطة… فهم جزء من منظومة الدولة… لكن الاختلال يبدأ حين يصبح التكريم اتجاها واحدا… سلطة تُكرم… وتربية تُهمش…
إن الدول التي فهمت معنى النهضة لم تبدأ من مكاتب الإدارة… بل بدأت من حجرات الدراسة… فالمعلم في تلك الدول ليس مجرد موظف… بل مهندس الوعي وحارس المستقبل…
أما حين يُقزم المربي ويُدفع به إلى هامش الكرامة المادية… فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون واضحة… أن من يربي العقول أقل قيمة ممن يدير الملفات…
وهنا يكمن الخلل الحقيقي… لأن الأمم لا تنهض بالقرارات وحدها… بل بالعقول التي صاغها معلم صبور في فصل دراسي صغير…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً