ميديا لايف " محمدية لايف " جريدة إلكترونية شاملة بالمحمدية | Media Live

آخر تحديث: فبراير 25, 2026 - 11:04 ص

ننتقد التعليم والمناهج والبنيات ،لكن لا نتحدث عن البيئة التي يعيش فيها الطفل


ننتقد التعليم والمناهج والبنيات ،لكن لا نتحدث عن البيئة التي يعيش فيها الطفل
فبراير 25, 2026 - 11:04 ص
الأستاذ  محمد خليلي
ثمة نقطة عمياء في كثير من السياسات العمومية لا نلتفت إليها إلا متأخرين… وترتبط بالفروقات التي تتشكل في صمت… داخل البيوت… قبل أن تظهر في دفاتر التنقيط داخل المدارس… نحن نتحدث كثيرا عن إصلاح التعليم… عن المناهج والبنيات… لكننا نغفل عن حقيقة ان الطفل لا يدخل المدرسة صفحة بيضاء… بل يدخلها محملا بما تلقاه من دفء أو حرمان… من احتواء أو إهمال… من تحفيز أو فتور…
هناك أطفال نشؤوا في بيئة تسمعهم قبل أن تعلمهم… وتشجعهم قبل أن تحاسبهم… تعلموا منذ أشهرهم الأولى أن العالم مكان آمن… وأن الخطأ فرصة للتعلم لا وصمة للفشل… هؤلاء لا يحملون إلى المدرسة مجرد حقائب… بل يحملون ثقة بالنفس… وفضولا… وقدرة على التركيز والانخراط… وحين يتعثرون… يجدون خلفهم سندا يعيد إليهم التوازن…
وفي المقابل… هناك أطفال لم يحظوا بهذا الدفء… لا لأن والديهم لا يحبونهم… بل لأن ضغوط الحياة… والفقر… والأمية… والهشاشة النفسية…وساعات العمل الطويلة… أرهقت القدرة على العطاء… هؤلاء الأطفال يدخلون المدرسة مثقلين بقلق مزمن… وبحاجة عميقة للاعتراف والاحتواء… قد يُساء فهم سلوكهم على أنه شغب أو لا مبالاة… بينما هو في جوهره صرخة طلب دعم لم يجدوه في بداياتهم الأولى…
الفارق بين الطفلين ليس فرق ذكاء فطري بقدر ما هو فرق في بيئة الإيقاظ… فالذكاء بذرة… لكنه يحتاج تربة آمنة وماء من التشجيع ونورا من الحضور الاسري…. لا يمكن أن نطالب المدرسة وحدها بإيقاظ ما لم يوقظ في البيت… ولا أن نحاسب الطفل على ما لم يُمنح له من شروط الانطلاق…
من هنا يصبح دعم الأسرة ضرورة مجتمعية… دعم الأسرة يعني مرافقة الأهل… وتوفير برامج إرشاد مبكر… ومساحات إنصات… وسياسات اجتماعية تخفف عنهم الضغط الاقتصادي والنفسي… يعني أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من البيت… وأن كل درهم يُصرف في تقوية الأسرة هو في الحقيقة استثمار في تماسك المدرسة والمجتمع معا…
وقد رأينا في تجارب دول عديدة كيف يُترجم هذا الوعي إلى سياسات ملموسة… تُثمن دور الأسرة باعتبارها الفضاء الأول للتنشئة… لا مجرد شأن خاص يُترك لمواجهة العواصف وحده..
في فرنسا… كما في كندا والسويد وبلاد أخرى توجد منظومة دعم أسري تشمل إعانات مالية للأسر وللأطفال… ومرافقة اجتماعية… وبرامج لمواكبة الوالدين في مراحل الطفولة الأولى… الفكرة المركزية هي أن استقرار الأسرة شرط لاستقرار المدرسة لاحقا… لذلك يُستثمر في السنوات الأولى باعتبارها لحظة حاسمة في تشكيل الشخصية…
هذه النماذج وغيرها تشترك في قناعة واحدة… ان الأسرة ليست هامشا في معادلة التنمية… بل هي قلبها النابض… حين تُدعم الأسرة… تُخفّف الفوارق بين الأطفال قبل أن تتحول إلى هوة تعليمية… وحين يُستثمر في الوالدين… يُستثمر في الثقة بالنفس… وفي الأمان العاطفي… وفي القدرة على التعلم….




اترك تعليقاً

تابعونا

faceBook Twitter Youtube Google Plus Instagram
.