الأستاذ محمد خليلي

إن أكثر ما يرهق الإنسان في هذه الحياة ليس الألم في حد ذاته… بل ادعاءه السلامة وهو ينزف… فليس الابتلاء هو ما يقتلنا… بل تلك الأقنعة الثقيلة التي نرتديها كل يوم… ونمشي بها بين الناس كأن شيئا لم يحدث… نبتسم… نُجامل… نُطمئن الآخرين أننا بخير… بينما في داخلنا بحر هائج… وصدر ضاق حتى صار كزنزانة بلا نوافذ…
لكن… أنت لا تنهار كما تظن… أنت لا تتلاشى… بل تتحول… ما يحدث داخلك ليس كسرا… بل إعادة تشكيل… ليست روحك التي تسقط… بل النسخ القديمة منك هي التي تتساقط واحدة تلو الأخرى… نسخ كانت تتحمل فوق طاقتها… وتتنازل أكثر مما ينبغي… وتبتسم حتى وهي تختنق…
لا تنسى أن الإنسان يشبه الشجرة… الشجرة لا تعانق السماء إلا بعد أن تتعرى… لا تزداد طولا وهي تحمل أوراقا ذابلة… ولا تكبر وهي تتمسك بما انتهى…. تُسقط أوراقها القديمة بصمت… لا لأنها ضعيفة… بل لأنها تعرف أن البقاء ليس في التشبث… بل في التجدد…
وهكذا أنت… الرحيل الذي مزق قلبك… والخيبة التي كسرت صوتك… والظلم الذي جعلك تبدو باردا أمام الناس… كلها ليست ضدك… بل لأجلك… هي دروس قاسية… لكنها تشبه النار التي لا تحرق الذهب… بل تنقيه من الشوائب…
كل ما مررت به كان يعيد تشكيلك من الداخل… كان يعلمك كيف تختار نفسك… كيف تحميها من الاستنزاف… كيف تقول “لا” دون شعور بالذنب… وكيف تصغي لذلك الصوت الصغير في داخلك… ذلك الصوت الذي ظللت طويلا تخنقه إرضاء للآخرين…
أنت لست متأخرا… ولست فاشلا… ولست خارج الطريق… أنت تماما في النقطة التي أرادت الحياة أن تصنعك فيها… قد يبدو الأمر كأنه تأخر… لكنه في الحقيقة نضج… وقد يبدو كأنه سقوط… لكنه في الحقيقة ترتيب جديد للروح…
ثم اسأل نفسك بصدق ما الذي تحاول الحياة أن تعلّمك إياه الآن… لأنك إن فهمت الدرس… لن يكون الألم عبئا… بل سيصبح جسرا… تعبر به إلى نسخة أقوى… نسخة أصدق … وأقرب إليك…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً