الأستاذ محمد خليلي

لا يمكن فهمه من خلال التصريحات… بل من خلال تراكم مؤشرات وسياق عام…
أولا: هل نحن أمام “نهاية” أم إعادة تموضع؟
قبل الحديث عن الأسباب… يجب التنبيه إلى نقطة أساسية: في الحياة الحزبية المغربية… النهاية لا تكون دائما خروجا صريحا… بل كثيرا ما تكون تقليص نفوذ…أو إفراغ منصب من مضمونه… أو انتقالا هادئا يسبق إعلانا متأخرا…
لذلك فالسؤال الأدق ليس: هل انتهى أخنوش؟
بل: هل انتهت المرحلة التي كان يمثلها؟
ثانيا: هل القرار كان شخصيا و الانسحاب طوعيا؟؟؟
هذه الفرضية تُسوّق عادة لتجميل المشهد… لكنها سياسيا الأضعف للأسباب التالية:
* أخنوش لم يُبدِ أي إشارات تعب سياسي أو رغبة في الاعتزال…
* الرجل صعد بسرعة وراكم السلطة والنفوذ…ومن يصل بهذه الطريقة نادرا ما ينسحب بمحض إرادته…
* الرجل صال وجال في المدة الأخيرة… متباهيا بمنجزاته… ساعيا إلى التعبئة استعدادا للاستحقاقات القادمة…
وعليه يمكن أن نستنتج أن القرار الشخصي… وإن وُجد… لا يمكن أن يكون سوى استجابة لميزان قوى لا رغبة ذاتية خالصة….
ثالثا: فرضية “عدم الرغبة في الرجل” … (وهي الاقرب الى المنطق السياسي):
هذه الفرضية تبدو أكثر تماسكا… وتستند إلى معطيات واضحة:
1▪︎ استهلاك الدور:
أخنوش لم يكن مجرد أمين عام حزب… بل واجهة لمرحلة سياسية… ورمز لتحالف المال والسياسة… وحلقة وصل بين الدولة والمجتمع بأسلوب “التكنوقراط السياسي”…
لكن المرحلة استُهلكت… فالخطاب لم يعد مقنعا… والأداء الحكومي خلق فجوة اجتماعية حادة في السياسة… وعندما يتحول المسؤول من رصيد إلى عبء… يبدأ العد التنازلي…
2▪︎ تحوّل المزاج العام:
حتى داخل منطق الدولة… لم يعد هناك استعداد لتحمل كلفة سياسية عالية لشخص واحد… خصوصا إذا أصبح اسمه مرتبطا بالغلاء… والاحتقان… وتآكل الثقة…
والدولة تاريخيا لا تُغامر بالاستمرار في الدفاع عن رموز تستنزف شرعيتها الاجتماعية…
رابعا: هل نحن أمام “تطهير سياسي” مرتبط بالحراك؟
نعم… ولكن ليس بالمعنى الانتقامي…
فلا توجد حملة تصفية مباشرة… لكن هناك إعادة ترتيب للنخب…وتقليص حضور الوجوه التي ارتبطت بفترة ما بعد الحراك… من خلال البحث عن واجهات أقل استفزازا وأقل كلفة اجتماعيا…
خامسا: لماذا يتم الأمر بهدوء؟
لأن السياسة المغربية لا تحب السقوط المدوي… ولا الإقالات الصادمة… ولا الاعتراف العلني بالفشل… بل تفضل الخروج الناعم… وإعادة التدوير… والإبعاد التدريجي تحت غطاء “الاختيارات الداخلية”…
وهذا ما يجعل ما يجري يبدو غامضا… لكنه في العمق محسوب بدقة…
ويمكن أن نخلص إلى أن القرار ليس شخصيا خالصا… وليس انتقاما سياسيا… بل نتيجة طبيعية لاستهلاك مرحلة وشخص…
فأخنوش لا ولن يُعاقَب…بل يُرفع عنه الغطاء بهدوء… لأن السياسة لا تُكافئ من انتهى دوره… ولا تُعاقبه… بل تتجاوزه…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً