راجت أنباء بقوة يوم أمس الإثنين  عن تقديم عزيز أخنوش  رئيس الحكومة السابق  استقالته نهائيا من  من عضوية المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ومن كافة أجهزة الحزب، لينهي بذلك مساره السياسي في الحزب.وقرر المكتب السياسي للحزب عقد اجتماعه مساء غد  الأربعاء لتداول موضوع الإستقالة .

في الوقت الذي انشغلت فيه معظم الوسائل الإعلامية بالتركيز على التغطية الخاطفة والسطحية لخبر استقالة عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وتوصيفها كحدث دراماتيكي مفاجئ أو “استجابة لضغوط السياسة”، تشير قراءة عميقة لموازين القوى والتوازنات الراهنة إلى أن الاستقالة تعكس في جوهرها ملمحاً جديداً لمفهوم “إدارة المرحلة” داخل قواعد اللعبة السياسية المغربية، وتطويراً لأسلوب التعاطي مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة.

خلال السنوات الماضية، نجح حزب التجمع الوطني للأحرار في فرض معادلة تنظيمية تعتمد على هيكلة “تكنوقراطية” دقيقة، تحول معها الحزب من مجرد تشكيل سياسي تقليدي إلى ما يشبه “المقاولة السياسية والتدبيرية”.

غير أن الجمع بين قيادة الجهاز التنفيذي (رئاسة الحكومة) وإدارة حزب ذي تركيبة معقدة وطموحات متزايدة، أصبح يشكل عبئاً مزدوجاً. ومن هنا، لا يمكن قراءة خطوة أخنوش بمعزل عن رغبة حقيقية في “فصل المسارات” من بينها المسار الحكومي المتعلق بالتركيز التام على تنزيل الأورش الكبرى (كورش الحماية الاجتماعية، وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وتسريع نمو الاستثمارات) بمرونة وحيادية أكبر، بعيداً عن تجاذبات الحسابات الحزبية الضيقة.

والمسار التنظيمي  الذي يتيح  الفرصة لقيادة جديدة تعيد ضخ الدماء في شرايين “الأحرار”، وتستعد مبكراً لاستحقاقات مرحلة ما بعد التدبير الحكومي الحالي.

خلافاً للتحليلات التي ربطت الخطوة “بصراعات داخلية” أو “تراجع في الشعبية”، فإن التوقيت يشي بوجود هندسة هادئة ومسبقة تم الإعداد لها بعناية وهي امتصاص الاحتقان وإعادة كسب الشارع حيت تعيش الساحة الوطنية على وقع رهانات اجتماعية واقتصادية دقيقة. واستقالة القيادي الأول في الحزب الحاكم تبعث بـ “رسالة سياسية قوية” للشارع والرأي العام، مفادها أن القيادة مستعدة لمراجعة التموقعات وتفكيك عقدة “الهيمنة الحزبية” لصالح المصلحة العامة.

و تمنح هذه الخطوة أحزاب التحالف الحكومي مساحة أكبر للحوار والمتنفس، وتحد من حدة الاستقطاب الذي غالباً ما يوجه شخصياً ونحو التمركز الحزبي لرئيس الحكومة. ولطالما اتُهمت الأحزاب المغربية بالارتهان لأشخاصها وقادتها التاريخيين.فإن  إقدام رئيس الحزب الحاكم على التنحي وهو في ذروة سلطته التنفيذية يمثل سابقة تنظيمية قد تسهم في تغيير قواعد اللعبة الحزبية مستقبلاً.

إن استقالة عزيز أخنوش من قيادة “حمامة الأحرار” لن تعني بأي حال من الأحوال انسحابه من دائرة التأثير الشامل؛ بل هي انتقال من ممارسة “السلطة الحزبية المباشرة” إلى “التأثير الاستراتيجي التوجيهي”. وهي كذلك  ليست نهاية مرحلة أو إقراراً بالفشل بقدر ما هي “إعادة تموضع شطرنجية”؛ يبتعد فيها أخنوش خطوة عن التنظيم الحزبي اليومي، ليضمن تحرراً أكبر في إدارة الملفات الوطنية الكبرى، ويضع حزبه أمام اختبار حقيقي للمأسسة والقدرة على الاستمرار كقوة سياسية دون الاعتماد المباشر والكامل على كاريزما ورعاية رئيسه.