بعد نحو 3 سنوات من القطيعة، أعلن في الجزائر عن زيارة يقوم بها وزير الداخلية إبراهيم مراد إلى إسبانيا رفقة وفد هام، بدعوة من نظيره الإسباني. وتأتي هذه الزيارة ذات الأهمية البالغة في سياق العلاقات الحالية بين البلدين، بعد تغير واضح في اللهجة الجزائرية اتجاه إسبانيا خلال الأيام الأخيرة.
بشكل مفاجئ، كشفت الداخلية الجزائرية في بيان لها، عن زيارة رسمية يقوم بها الوزير إبراهيم مراد إلى مملكة إسبانيا، يومي 24 و25 شباط/فيفري الجاري، بدعوة من نظيره وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا قوماز. وسيرافق وزير الداخلية في هذه الزيارة كل من المدير العام للأمن الوطني علي بداوي والمدير العام للحماية المدنية بوعلام بوغلاف. وورد في البيان أن هذه الزيارة، ستسمح بتباحث ملفات التعاون الثنائي في المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وتأتي هذه الزيارة لأحد أقرب الشخصيات للرئيس عبد المجيد تبون (مدير حملته الرئاسية الأخيرة)، كتتويج لمسار متدرج من تطبيع العلاقات، عقب الأزمة الكبرى بين البلدين ربيع سنة 2022، إثر قرار مدريد الاعتراف بخطة الحكم الذاتي كأساس للحل في الصحراء الغربية. وفي الأيام الأخيرة، التقطت عدة إشارات، تشير إلى عودة الدفء بين الجزائر ومدريد، أبرزها لقاء وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف مع نظيره الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، على هامش قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، وتأكيدهما على تعزيز العلاقات بين البلدين. إلى جانب، إطلاق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وصف “الدولة الصديقة”، على إسبانيا، في سياق تهنئته للروائي ياسمينة خضرا الذي تم تكريمه في هذا البلد.
وفي الواقع، بدأت العلاقات تعود لمجراها الطبيعي شيئا فشيئا منذ الثلث الأخير لسنة 2023، حيث قامت الجزائر بتعيين الدبلوماسي عبد الفتاح دغموم سفيرا لها في مدريد، تزامنا مع استعادة السفير الإسباني في الجزائر لهامش المبادرة من خلال إجرائه لقاءات مع الفاعلين في الحقل الاقتصادي بالجزائر. وساهم في تحسّن العلاقات، وفق قراءات، عدة عوامل بينها تقدير الجزائر لموقف بيدرو سانشيز المؤيد لإقامة دولة فلسطينية الذي أعرب عنه في سياق العدوان الإسرائيلي الأخير، كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحديثه من جديد عن دعم المسار السياسي لحل النزاع في الصحراء الغربية وفق مقررات الأمم المتحدة.
ومثّل يوم 19 آذار/مارس 2022 تاريخ بداية الأزمة بين الجزائر وإسبانيا بعد إعلان الجزائر سحب سفيرها سعيد موسي من مدريد، ثم قرار الرئاسة الجزائرية، التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون المبرمة مع المملكة الإسبانية سنة 2002، وهي قرارات جاءت بعد الكشف عن تبني الحكومة الإسبانية خطة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية وهو ما تعارضه الجزائر التي تدافع عن حق الصحراويين الذين تستضيف جزءا منهم على أراضيها كلاجئين في تقرير المصير.
وكان الموقف الإسباني مفاجئا بالنسبة للجزائر، على اعتبار مدريد هي القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء الغربية ولا تزال القوة المديرة للإقليم وفق السلطات الجزائرية. وذكرت الرئاسة الجزائرية في مبرراتها في ذلك الوقت أن ما فعلته إسبانيا “يعد انتهاكا لالتزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية للسلطة المسؤولة عن الإقليم والتي تقع على كاهل مملكة إسبانيا حتى يتم إعلان إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية من قبل الأمم المتحدة”.
يشير اختيار وزير الداخلية ليقوم بأول زيارة لمدريد، إلى رغبة البلدين في معالجة الكثير من القضايا المرتبطة بمسائل الأمن في المتوسط والهجرة غير النظامية، إلى جانب سعي الجزائر لاستعادة “الأموال المنهوبة” التي فرّ جزء مهم منها إلى إسبانيا في إطار معالجة قضايا الفساد المترتبة عن فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
وتعد قضية الهجرة غير الشرعية، كما تسمى رسميا في الجزائر، معضلة بالنسبة للسلطات، فالجزائر التي لا تزال دولة عبور بالنسبة للكثير من الجنسيات الافريقية والعربية، تحولت أيضا إلى منطقة استقرار للكثير من المهاجرين غير النظاميين، خاصة الأفارقة منهم. أما إسبانيا، فتواجه تدفقا كبيرا عبر ما يعرف بالطريق الجزائري، سواء لمهاجرين جزائريين أو أجانب يمرون عبر الجزائر.
وفي تقريرها الأخير، ذكرت المنظمة غير الحكومية الإسبانية “كامنندو فرونتيراس”، أن الطريق البحري الذي يربط بين الجزائر والسواحل الإسبانية الشرقية، الممتد من ألميريا إلى فالنسيا، مرورًا بأليكانتي وحتى جزر البليار، شهد لوحده وفاة 517 شخصًا هذا العام، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 19% مقارنة بالعام السابق. وأوضح التقرير في هذا السياق، أن الطريق الجزائري أصبح ثاني أكثر الطرق دموية بعد الطريق الأطلسي المؤدي إلى جزر الكناري، والذي شهد وفاة 9,757 شخصًا. وذكر أن 40% من المهاجرين الذين يعبرون هذا الطريق يأتون الآن من مناطق أخرى، مثل منطقة الساحل الإفريقي، إفريقيا الغربية، إفريقيا الشرقية، وآسيا، بما في ذلك سوريا وفلسطين واليمن.
وكان وزير الداخلية الجزائري إبراهيم مراد، قد ذكر شهر أكتوبر الماضي في اجتماع وزراء الداخلية لمجموعة السبع الذي انعقد في إيطاليا، أن الجزائر اعتمدت مقاربة “سمحت منذ بداية سنة 2024 من إرجاع نحو 80.000 مهاجر غير نظامي، كما مكنت من تفكيك عدد هائل من الشبكات الإجرامية الخطيرة متعددة الجنسيات”، وهي الجهود التي استدعت –كما قال– “تسخير إمكانيات مادية وبشرية معتبرة”. وذكر أن “معالجة ظاهرة الهجرة غير الشرعية لا يمكن تصورها ضمن تدابير ظرفية وإنما يتطلب ذلك رؤية شاملة تعنى أساسا بمعالجة أسبابها الجذرية عبر توفير عوامل الأمن والاستقرار ودعم التنمية بدول المصدر”.
وفي الملف الآخر، تعد مدريد أكثر العواصم تعاونا مع الجزائر، في قضايا استرجاع الأموال المنهوبة، حيث سبق للرئيس الجزائري، أن صرّح سنة 2023، أن إسبانيا وافقت على تسليم الجزائر 3 فنادق فخمة 5 نجوم كان يمتلكها أحد رجال الأعمال الذي رفض ذكر اسمه. ويتعلق الأمر بعلي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات سابقا وأحد أقرب المقربين السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل. ومنذ ذلك التاريخ، لم يجر الإفصاح عن تفاصيل جديدة تتعلق بهذا الملف، خاصة بعد أن نشرت مجلة جون أفريك الفرنسية تحقيق لها أشار إلى أن أحد أبرز فنادق علي حداد في إسبانيا، انتقلت ملكيته لطرف آخر وليس للسلطات الجزائرية.
ولا يعلم إن كانت الجزائر تملك قائمة بمطلوبين يقيمون حاليا على الأراضي الإسبانية، خاصة في ظل وجود مدير الأمن الوطني ضمن طاقم الزيارة، علما أن إسبانيا كانت الدولة الوحيدة داخل الكيان الأوربي التي سلمت مطلوبين للقضاء الجزائري، متهمين في قضايا النظام العام، وهما الدركي السابق محمد عبد الله والعسكري السابق محمد بن حليمة بين سنتي 2021 و2022، وهو ما كان مثار جدل واسع في ذلك الوقت.
جريدة القدس العربي

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً