وقالت وزاراة الخارجية الأميريكة في تغريدة على منصة “إكس” إن وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة قامت بتيسير المحادثات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد.
وأوضحت الخارجية الأميريكة أن المحادثات تركزت حول تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 (2025)، المتعلق بقضية الصحراء المغربية.
وفي نوفمبر الماضي، صوت مجلس الأمن الدولي، وبمبادرة من الولايات المتحدة، لصالح دعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء المغربية، معتبرا أنها الحل “الأكثر واقعية” للإقليم.
ودعا القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي رقم 2797، إلى الانخراط في مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي، باعتباره خطوة مهمة نحو التوصل إلى حل سياسي نهائي ومستدام لهذه القضية، وفقا لمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ويعتبر القرار رقم 2797 أن “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر جدوى”.
وكانت مجلة “جون أفريك” الفرنسية قد أعلنت نقلا عن مصادر وصفتها بالمتقاطعة إن ملف الصحراء الغربية يدخل مرحلة جديدة أكثر سرية، وأكثر استراتيجية، حيث ستجتمع هذا الأسبوع أربعة وفود من المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، في العاصمة الإسبانية، مدريد، وتحت رعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضحت المجلة أن هذا اللقاء غير المسبوق قد يشكل الانطلاقة الفعلية لمفاوضات منظمة حول مستقبل الصحراء الغربية، حيث يتحدّث المطلعون على التفاصيل عن “خلوة سياسية” حقيقية مخصصة لمناقشة مستقبل الصحراء الغربية بصورة عملية ومباشرة، وذلك بدفع من مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إفريقيا، ومن مايكل والتز، السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، اللذين يمسكان بخيوط هذا المسار.
وأشارت “جون أفريك” إلى أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا سيحضر، بحسب المصادر، بصفة مراقب أكثر منه قائداً للعملية، في إشارة إلى أن مركز الثقل انتقل منذ الخريف الماضي من نيويورك إلى واشنطن.
ونقلت المجلة عن الدبلوماسي المغربي المتقاعد أحمد فوزي، قوله إن اجتماع مدريد يأتي امتداداً لاجتماعي واشنطن والجزائر، موضحاً أن الأمر ليس مبادرة معزولة بل حلقة ضمن مسار تفاوضي يتشكل تدريجياً.
وأوضحت المجلة الفرنسية، وفق مصادرها، أن جبهة البوليساريو كانت قد توجهت إلى واشنطن بهدف “جس النبض” وكانت تأمل في لقاء مباشر مع وزارة الخارجية الأمريكية، لكنها اكتفت باستشارات غير رسمية، وهو ما وصفته مصادر قريبة من الجبهة بأنه انتكاسة سياسية.
كما أوضحت “جون أفريك”، نقلا عن المصادر ذاتها، أن مسعد بولس شدّد خلال زيارته إلى الجزائر على أن أي نقاش يجب أن يستند حصراً إلى القرار 2797 لمجلس الأمن، الذي يعتبر الحكم الذاتي المغربي أساساً “جاداً وذا مصداقية وواقعياً”. اعتبرت دوائر دبلوماسية أن هذا الخيار أصبح عملياً خارج التداول، في حين تستمر مخيمات تندوف في التمسك بخيار الاستفتاء.
ومضت “جون أفريك” موضّحة أن المعطيات تشير إلى أن مشروع الحكم الذاتي المغربي الجديد سيكون محور النقاش في اجتماع مدريد. وترى واشنطن، بحسب مصادر “جون أفريك”، أن الرباط ما تزال قادرة على تحسين بعض التفاصيل، لكن الأساس قائم، ويتمثل في أن خيار الاستفتاء أصبح خارج الحسابات. ويقوم الإطار المطروح على حكم ذاتي واسع تحت السيادة المغربية مع الحفاظ على العلم والعملة والوحدة الترابية، وهي خطوط حمراء بالنسبة للرباط.
اعتبرت مصادر أمريكية أن ملف الصحراء لم يعد قضية هامشية بالنسبة لواشنطن، بل تحول إلى أولوية استراتيجية، تتابع “جون أفريك”، موضّحة أن الولايات المتحدة ترى أن استقرار منطقة المغرب العربي ضرورة أمنية لمنع استمرار نزاع مجمد على تخوم الأطلسي والساحل الإفريقي. كما أن الإقليم غني بالمعادن الاستراتيجية الضرورية لسلاسل الإمداد الغربية في ظل التنافس التكنولوجي مع الصين.
وتسعى إدارة ترامب إلى إغلاق هذا النزاع الطويل لتخفيف العبء عن أجندتها الدبلوماسية والتركيز على شراكات ثنائية عملية قائمة على المصالح الاقتصادية، بدلاً من المسارات متعددة الأطراف التي تراها مطوّلة وغير منتجة، تؤكد “جون أفريك”، موضّحةً أن هذه الدينامية أيضاً ضمن عام 2026 الرمزي، الذي يصادف مرور 250 عاماً على العلاقات المغربية الأمريكية.
وأشارت المجلة إلى أن سفير المغرب بواشنطن نظم في شهر يناير الماضي احتفالاً كبيراً حضرته شخصيات سياسية ودبلوماسية أمريكية بارزة، في رسالة اعتبرتها الأوساط السياسية تأكيداً على عمق التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
في 29 يناير، وللمرة الأولى، دعم الاتحاد الأوروبي جماعياً مشروع الحكم الذاتي المغربي خلال مجلس الشراكة، وهو ما اعتبرته مصادر أوروبية تحولاً مهماً. وفي هذا السياق، تحمل مشاركة الجزائر في اجتماع مدريد دلالة سياسية واضحة، رغم تأكيدها الرسمي أنها “ليست طرفاً في النزاع”، تقول “جون أفريك”.
لكن الجزائر -بحسب مراقبين- تدخل هذا المسار وهي في وضع دبلوماسي هش. فقد تراجع دعم بعض حلفائها التقليديين، فيما عززت دول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية علاقاتها مع المغرب، بل افتتحت قنصليات في الداخلة والعيون. كما أشارت مصادر إلى أن تشدد القيادة العسكرية الجزائرية يضيق هامش المناورة الدبلوماسية.
ويعد الأمر الأكثر حساسية -وفق شهادات من مصادر قريبة من البوليساريو- أن جزءاً من الجهاز الداخلي للجبهة يرى أن استمرار الجمود مرتبط بالاعتماد المالي واللوجستي على الجزائر. أحد هؤلاء صرح: “لو لم نكن بهذه الدرجة من التبعية للدعم الجزائري، لقبل كثيرون منذ زمن عرض الحكم الذاتي المغربي”. وهي شهادة لا يمكن التحقق منها رسمياً، لكنها تكشف طبيعة العلاقة بين الطرفين.
في الخلفية، تسعى الرباط، بحسب المعطيات، إلى تقليص دور بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، وربما تفكيكها تدريجياً. التخفيضات المالية داخل الأمم المتحدة أضعفت البعثة، ويُنظر إلى عدم تعويض مسؤول مكتبها في تندوف كإشارة على ذلك. شهرا أبريل وأكتوبر المقبلان سيكونان حاسمين في مجلس الأمن.
ومع ذلك، اعتبر مراقبون أن التحدي الأكبر لن يكون دبلوماسياً بل اجتماعياً: دمج سكان المخيمات بعد خمسة عقود من الانفصال، إدارة النخب المحلية، وتنظيم العودة في إطار توازنات حساسة.
ورأت “جون أفريك” أنه رغم أن اجتماع مدريد قد لا ينتهي ببيان تاريخي أو صورة جماعية، إلا أن المطلعين يرون فيه بداية فعلية لمسار تفاوضي منظم حول الصحراء، بإيقاع أمريكي، واتحاد أوروبي متماسك، وجزائر تجد نفسها مضطرة للجلوس إلى الطاولة.

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً