ميديا لايف " محمدية لايف " جريدة إلكترونية شاملة بالمحمدية | Media Live

آخر تحديث: فبراير 8, 2026 - 4:28 م

الاندرايف… حين يتحول الهروب من البطالة إلى سباق نحو الإنهاك


الاندرايف… حين يتحول الهروب من البطالة إلى سباق نحو الإنهاك
فبراير 8, 2026 - 4:28 م

الأستاذ محمد خليلي 

في السنوات الأخيرة… لم تعد شوارع المدن المغربية تعرف فقط سيارات الأجرة التقليدية… بل ظهر نوع جديد من السائقين… شباب بوجوه متعبة… وهواتف لا تتوقف عن الرنين… وأعين تراقب التطبيق أكثر مما تراقب الطريق… شباب وجدوا في “الاندرايف” فرصة أخيرة للنجاة من البطالة… بعدما أُغلقت في وجوههم أبواب العمل…وتآكلت أحلامهم تحت ضغط الواقع…

لم يكن دخولهم هذا القطاع بمحض ارادتهم… بل كان اضطرارا… كان “الاندرايف” بالنسبة لكثير منهم بمثابة طوق نجاة… أو على الأقل فرصة لالتقاط الأنفاس…حين لم يعد هناك راتب… ولا وظيفة… ولا أفق واضح… ولا حتى وعد اجتماعي يحميهم من السقوط….

أغلب الشباب الذين اتجهوا إلى هذا المجال ليسوا مغامرين يبحثون عن الربح السريع… بل هم ضحايا سياق اجتماعي واقتصادي طويل… فهم شباب درسوا ولم يجدوا عملا…
أو تركوا الدراسة مبكرا لأن الفقر سبق المدرسة… أو يحملون شواهد لا تساوي شيئا أمام سوق عمل مغلق… أو عاشوا سنوات من الانتظار والوعود والخداع الصامت…

وهكذا… حين ظهر “الاندرايف”…بدا للكثيرين كأنه باب صغير فتحته التكنولوجيا في جدار البطالة الكبير… دخلوا إليه بأمل بسيط… أن يشتغلوا… أن يعيشوا… أن يتنفسوا…

لكن بعد فترة قصيرة… بدأت هذه الصورة الوردية تتشقق…. فمع تزايد عدد السائقين بشكل كبير… تحولت المهنة إلى سوق مكتظ… أشبه ببحر ممتلئ بقوارب صغيرة… وكل قارب يحاول النجاة وحده…

المنافسة أصبحت شرسة… والنتيجة كانت واضحة: انخفاض كبير في التسعيرة… حيث أصبح السائق يشتغل لساعات طويلة مقابل مداخيل ضعيفة…وفي كثير من الأحيان لا تتناسب إطلاقا مع حجم المجهود ولا المخاطر… والمؤلم أكثر… أن أغلب هؤلاء الشباب لا يملكون سياراتهم أصلا… بل يستأجرونها من وكالات كراء السيارات مقابل مبلغ يومي يتراوح بين 200 و250 درهما في اليوم….

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية… السائق اليوم لا يبدأ يومه وهو يفكر في الربح… بل يبدأه وهو يحمل هم الواجب اليومي…
قبل أن يأكل… قبل أن يشرب… قبل أن يعود إلى بيته… عليه أن يؤمن ثمن كراء السيارة… وثمن الوقود… وكأن حياته كلها أصبحت تسير تحت شعار واحد: “جيب 350 درهم… ومن بعد فكر في نفسك…”

الاندرايف كان حلمابالحرية: لا رئيس… لا إدارة… لا توقيت صارم… لكن الواقع جعل السائق عبدا للتطبيق… والتسعيرة…وواجب الكراء اليومي للسيارة…
أصبح الشاب يعيش ضغطا نفسيا رهيبا… لأنه كلما قل الطلب… شعر أن الخسارة تقترب… وأنه قد يقضي يوما كاملا دون أن يحقق الحد الأدنى…. وهكذا يتحول يومه إلى مطاردة رزق لا ينتهي… مطاردة تشبه الجري وراء ظل…

والنتيجة الحتمية… شباب يتعب… دون أن يتقدم… لأن المؤلم في هذه الظاهرة أن السائق… رغم اشتغاله المستمر… لا يراكم شيئا… لا يشتري سيارة خاصة… لا يدخر مالا…لا يبني مشروعا… لا يضمن مستقبلا ولا يحمي نفسه من المرض أو الحوادث… بل يعيش فقط في دائرة مغلقة.. يشتغل ليؤدي واجب كراء السيارة حتى يمكنه مواصلة الاشتغال… وهذه ليست حياة… بل شكل جديد من أشكال الفقر المقنع…فهو ليس عاطلا… لكنه أيضا ليس مستقرا… هو فقط مُستنزَف…





اترك تعليقاً

تابعونا

faceBook Twitter Youtube Google Plus Instagram
.