عادت العلاقات المغربية الجزائرية لتشهد تصعيداً جديداً على وقع حملة توقيفات واستهداف تعسفي طال العمال والمواطنين المغاربة المقيمين أو العابرين بالجزائر. يأتي ذلك عقب إعلان السلطات الأمنية الجزائرية عن توقيف 61 مواطناً مغربياً بمحافظة وهران (غرب البلاد)، وتوجيه اتهامات ثقيلة لهم بـ “التخطيط لارتكاب أعمال تخريبية والتجسس”.
وتكشف القراءة المتأنية لحيثيات هذا الملف عن نمط متكرر يُسخر فيه النظام الجزائري الورقة المغربية لتصريف أزماته الداخلية عبر افتعال شائعات وتضخيم الروايات الرسمية، موهّماً الرأي العام بحرب وهمية ضد “المخزن”، في حين أن ضحاياها الحقيقيين هم العمال البسطاء.
تفاصيل الرواية الجزائرية والشبهات المثارة
بحسب البلاغ الرسمي الصادر عن المديرية العامة للأمن الوطني بالجزائر، فإن شرطة وهران نجحت في إحباط ما وصفته بـ “مخطط شبكة إجرامية دولية” وضبط 61 شخصاً يحملون الجنسية المغربية، من بينهم —وفق الرواية ذاتها— عسكري مغربي سابق.أحيل الموقوفون على التحقيق القضائي بتهم شملت التجسس، والتخابر مع دولة أجنبية، والدخول غير المشروع للتراب الجزائري، والتشويش على النظام العام.
واقتصر ما عرضه الإعلام الرسمي الجزائري من “أدلة إدانة” على وثائق سفر رسمية (جوازات سفر) ومبالغ مالية اعتيادية بالدرهم المغربي واليورو والدينار؛ وهي مقتنيات طبيعية يتوفر عليها أي مسافر أو عامل وافد، دون تقديم أدلة مادية أو وسائل تنفيذية لما وُصف بـ “الأعمال التخريبية”.
أدعت السلطات الجزائرية أن أعضاء المجموعات انتقلوا جوّاً من المغرب إلى تونس، قبل أن يتسللوا برّاً عبر الحدود التونسية الجزائرية (معبر القالة بمحافظة الطارف) للوصول إلى مدينة وهران.
تُعيد هذه التطورات إلى الأذهان سوابق استغل فيها الإعلام الرسمي الجزائري على توجيه اتهامات جاهزة للمواطنين المغاربة المقيمين هناك. وكان آخرها اتهام عمال وحرفيين بالتدخل في محطات سياسية واجتماعية سابقة، مثل اتهامات التشويش على الانتخابات أو التحريض على الاحتجاجات الفئاتية.
ويرى مراقبون وحقوقيون أن الاستهداف الحالي للمواطنين المغاربة يفتقر إلى الأدنى من مقومات المحاكمة العادلة والشفافية القانونية؛ حيث يُحرم المعتقلون من التواصل القنصلي المؤطر لمثل هذه الحالات، خاصة في ظل القطع الأحادي للعلاقات الدبلوماسية الذي أعلنته الجزائر مع المغرب منذ سنة 2021، واستمرار إغلاق الحدود البرية المغلقة أصلاً منذ عام 1994.
تزامن هذا التصعيد مع ترتيبات دقيقة تشهدها المنطقة واستحقاقات سياسية مرتقبة في أواخر شهر أكتوبر، وهو ما يحفز النظام الجزائري على صناعة عناوين أمنية برّاقة لإلهاء الرأي العام المحلي عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
كما أثارت الواقعة استحضاراً مؤلماً للذاكرة الجمعية المغربية؛ وتحديداً مأساة “المسيرة الكحلاء” في ديسمبر 1975، عندما أقدم النظام الجزائري آنذاك على الترحيل التعسفي والتهجير القسري لنحو 35 ألف أسرة مغربية مقيمة بالجزائر وتجريدها من ممتلكاتها، مما يبرز حقيقة أن الاستهداف الجزائري يطال الأفراد والمدنيين بغض النظر عن الشعارات السياسية المرفوعة.
يبدو أن نسج رواية “الشبكة التخريبية” ليس سوى حلقة جديدة ضمن مسار التوظيف السياسوي، يكرس عقيدة العداء تجاه كل ما هو مغربي، بينما يظل العمال والمواطنون المغاربة الضحية الأولى لهذا الشحن الإعلامي والأمني

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً