تدوينة جميلة للزميل / مصطفى مكري
بلغتُ من العمر عتيا، تجاوزتُ مرحلة العطاء اليومي في الوظيفة، وها أنا اليوم أعيش زمناً آخر، زمن التقاعد وما يحمله من طقوس وأسئلة. غريب كيف يتغير وقع الكلمات على الأذن والروح مع مرور السنين! بالأمس كنتُ أُدعى بالاسم، أو بالصفة التي أمارسها في العمل أو الحياة العامة. أما اليوم، فقد صرتُ “عمي” و”السي الحاج”، ألقاب تكسوها الهيبة والاحترام، لكنها في الوقت نفسه توقظ داخلي تساؤلات كثيرة.
هل أنا فعلاً ذلك الشيخ الذي يراه الناس في نبراتهم ونظراتهم؟
هل اختُزلت حياتي كلها في لقب يحمل ملامح التقدير، لكنه يخفي خلفه تذكيراً صامتاً بثقل السنين؟
أم أنني ما زلت ذلك الشاب الذي يسكنني، يتقد حيوية في داخلي، يبحث عن معنى جديد للحياة بعد أن تغيّرت الأدوار؟
أتساءل أحياناً:
• هل الاحترام الممزوج بالمسافة الذي يضفيه الناس عليّ هو اعتراف بمساري وتجربتي، أم أنه إعلان غير مباشر بأنني صرتُ على هامش الحياة النشيطة؟
• لماذا حين يكبر الإنسان يصبح في نظر المجتمع “ذاكرة” أكثر منه “حاضراً”؟
• هل التقاعد نهاية فصل أم بداية أخرى أكثر عمقاً، أكثر حرية، وربما أكثر صدقاً مع الذات؟
إن كلمات مثل “عمي” أو “السي الحاج” ليست مجرد ألقاب، بل هي إشارات. إشارات تذكّرني بأن العمر يمرّ بسرعة، وبأنني لم أعد ذاك الشخص الذي يُنظر إليه كـ”مشروع مستقبل”، بل كحكاية تُروى، أو تجربة يُستفاد منها.
لكن، هل هذا يكفيني؟
هل يكفيني أن أكون ذاكرة للآخرين، بينما ما يزال داخلي يمور بأسئلة ورغبة في الإسهام والعطاء؟
ألا يمكن لمرحلة ما بعد التقاعد أن تكون لحظة انفتاح على آفاق جديدة، تُعيد تعريف الذات لا باعتبارها ماضياً منجزاً، بل باعتبارها حاضراً متجدداً؟
لقد تعلمت أن العمر ليس أرقاماً تُضاف إلى سجل الحياة، بل هو وعي وتجربة ونظرة إلى العالم. فإذا كان الناس ينادونني اليوم بـ”السي الحاج”، فإني أنادي نفسي باسم آخر: اسم
الباحث عن المعنى وسط رحلة لا تنتهي.
وفي الأخير نسأل الله حسن الخاتمة
مصطفى مكري / رجل تعليم سابق ومراسل سابق لجريدة الإتحاد الإشتراكي

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً