الأستاذ محمد خليلي

كانت نسخة المغرب من كأس إفريقيا للأمم حلما جميلا للقارة… صورة مشرقة لملاعب حديثة… وتنظيم محكم… وبنية تحتية تشبه ما نراه في كبريات البطولات… بدا وكأن إفريقيا تقول للعالم: نحن قادرون…
دلكن ما إن انتقل الحديث إلى الدول المرشحة لاحتضان النسخة القادمة من كأس الأمم الإفريقية… حتى استيقظنا على واقع أقل وهجا… وأكثر قسوة…
فالمشكلات التي تطفو اليوم إلى السطح ليست تفاصيل تقنية عابرة… بل تعبير صريح عن فجوة عميقة بين الحلم والقدرة… ملاعب غير مكتملة… بنى تحتية لا تستجيب للمعايير… شبكات نقل وإيواء عاجزة عن تحمّل ضغط بطولة قارية…. وكأن القارة… التي صفقت طويلا لصورة التنظيم المتقن… وجدت نفسها فجأة أمام مرآة تعكس هشاشتها…
إن الأمر لا يتعلق بكرة القدم فقط… بل بمفهوم الاستعداد ذاته…. فاستضافة بطولة قارية ليست حفلا يُرتب في الأسابيع الأخيرة… ولا لافتة اعلانات تُعلق على عجل… إنها استثمار طويل في الطرق والمطارات والفنادق… وفي الأمن والخدمات واللوجستيك… إنها بنية تُبنى قبل أن يُبنى الملعب…
الحلم جميل… لكن الواقع لا يُدار بالأحلام… فالقارة التي تريد أن تفرض احترامها رياضيا… مطالبة أولا أن تحترم مواعيدها… لا يكفي الشغف الجماهيري… ولا يكفي التاريخ الكروي… ولا تكفي الوعود السياسية… البطولات الكبرى لا تُقام على النوايا الحسنة… بل على الإسمنت والحديد والخطط الدقيقة…
ربما كان نجاح المغرب درسا بليغا… أكد للعالم أن التنظيم ليس لحظة تألق عابرة… بل ثمرة سنوات من التراكم والتخطيط… وأن صورة القارة في أعين العالم لا تُصنع في تسعين دقيقة… بل في ورشات مفتوحة قبل سنوات…
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية… بل لحظة وعي… وعي بأن إفريقيا تحتاج إلى أن تبني قبل أن تحلم… وأن تُنجز قبل أن تعِد… وأن تجعل من استضافة البطولات نتيجة طبيعية لمسار تنموي… لا مغامرة تُدار على حافة الوقت…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً