دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ:
في سياق الدينامية التشريعية التي تشهدها منظومة العدالة والأعمال بالمملكة، دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ رسمياً، عقب صدوره بالجريدة الرسمية. ويحمل هذا النص التنظيمي الجديد في طياته مستجدات كبرى تروم هيكلة المهنة وتحصينها، فضلاً عن ضبط العلاقة بين الممارسين لمختلف المهن القانونية والقضائية والإدارات العمومية.
وفي هذا الصدد، أفرز هذا النزول التشريعي توجيهات عملية واضحة، تجسدت في المذكرة التوجيهية التي وجهها المحافظ العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية إلى مختلف المحافظين على الأملاك العقارية بالمملكة، داعياً إياهم إلى التقيد الصارم بالمقتضيات الجديدة التي تحكم تمثيل المحامين للغير أمام مصالح التحفيظ العقاري.
لعل أبرز ما يطبع مقتضيات القانون رقم 66.23 في علاقته بالإدارات العمومية، وتحديداً مصالح المحافظة العقارية، هو ترسيم حدود واضحة بين ما هو اختصاص حصري للمحامي وما يمكن مزاولته بمعية فئات مهنية أخرى مخولة قانوناً.
فمن الناحية القانونية، لا يمنح القانون تمثيل الغير أمام الإدارات العمومية كاختصاص حصري للمحامين وحدهم، إذ يجوز لهم القيام بهذه المهام إلى جانب باقي الفئات المخولة قانوناً. غير أن الجديد الأبرز هو إخضاع هذه النيابة لضوابط شكلية وموضوعية صارمة لا تقبل التاهون، قطعاَ دابراً مع أي عشوائية محتملة في تدبير الملفات العقارية الحساسة.
استناداً إلى أحكام المادة 33 من القانون رقم 66.23، وتأكيداً لما جاء في دورية المحافظ العام، يتعين على المحامين عند نيابتهم عن الموكلين أمام مصالح المحافظة العقارية الالتزام بالمعايير التالية:
- إلزامية “النيابة المكتوبة” بمعايير محددة
لم يعد مقبولاً الاعتماد على صيغ فضفاضة أو شفوية؛ إذ تفرض المقتضيات الجديدة إدلاء المحامي بوثيقة نيابة مكتوبة تتضمن بيانات دقيقة وتفصيلية لا غنى عنها، تشمل:
بيانات المحامي: اسمه الكامل، رقمه المهني الوطني، وعنوان بريده الإلكتروني.
بيانات الموكل: اسمه الكامل، عنوانه، رقم هاتفه، وبريده الإلكتروني (عند الاقتضاء)، وهو ما يضمن للإدارة إمكانية التحقق الفوري من صفة المحامي وهوية صاحب الحق الأصلي بكل شفافية.
- الوكالة الخاصة في التصرفات الجوهرية (رفع اليد نموذجاً)
حرص المشرع على التمييز الدقيق بين “النيابة المكتوبة” العادية المرتبطة بمتابعة الإجراءات الإدارية والتقنية، و”الوكالة الخاصة” التي تشترطها طبيعة بعض التصرفات القانونية ذات الآثار الكبرى على الرسوم العقارية.وفي هذا السياق، شددت المصالح العقارية على ضرورة الإدلاء بوكالة خاصة صريحة ومكتوبة في كل ما يتعلق بالعمليات الحرجة، مثل تقديم العروض أو قبولها، إقرار الحقوق أو التنازل عنها، والقيام بأعمال رفع اليد عن الحجوزات أو التقييدات الاحتياطية، وباقي الإجراءات التي تهم المراكز المالية والقانونية للملاك.
أبعاد التنظيم: نحو أمن عقاري وقانوني معزز
تندرج هذه المقتضيات بحسب قراءات قانونية مهنية في صلب استراتيجية تحديث الإدارة المغربية وتخليق المعاملات العقارية، إذ يرى متتبعون أن إرساء هذه الضوابط المكتوبة من شأنه أن يحقق جملة من المكاسب، أبرزها:
- تحصين المعاملات العقارية: قطع الطريق أمام أي ممارسات غير مشروعة أو محاولات انتحال صفة أو تلاعب بالملفات عبر فرض توثيق دقيق لهويات الممثلين والموكلين.
- حماية الأمن القضائي والعقاري: توفير ضمانات كافية للمواطنين وحماية حقوقهم العينية من خلال إحاطة الإجراءات الملكية بالصرامة القانونية الواجبة.
- تنظيم المجال المهني: ترسيخ الاحترام المتبادل وتوضيح صلاحيات مختلف المتدخلين في قطاع المال والأعمال والعقار.
خلاصة واستشراف
مع دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ واعتماد مذكراته التطبيقية الموجهة للمحافظين على الأملاك العقارية، يكون قطاع العقار قد خطى خطوة إضافية نحو الاحترافية والشفافية المطلقة. ومما لا شك فيه أن نجاح هذا الورش الإصلاحي يظل مرهوناً بالانخراط المسؤول لجميع الفاعلين – من محامين وسلطات وصقور الإدارة العقارية – في تنزيل هذه المقتضيات بروح من الوعي بأهمية استقرار المعاملات وحماية حقوق المرتفقين

مواضيع قد تهمك
اترك تعليقاً