في محطة مفصلية جديدة تعزز مسار إصلاح ورش الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية بالمغرب، يستعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) لتولي زمام تدبير نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO) الخاص بموظفي وأعوان القطاع العام، وذلك ابتداءً من فاتح فبراير 2027؛ خلفاً للصندوق الوطني للمنظمات الاحتياطية الاجتماعية (CNOPS).
يأتي هذا التحول الهيكلي، الذي حسمته مقتضيات تشريعية وتنظيمية بارزة، في إطار دينامية شاملة تروم توحيد هيئات التدبير، عقلنة وترشيد حكامة قطاع التأمين الصحي، والرفع من نجاعته لضمان استدامة الأنظمة وتقديم خدمات أكثر قرباً وفعالية للمستفيدين.
تشكل هذه الخطوة تفعيلاً عملياً لمخرجات ورش إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، حيث يوضح المتخصصون أن الأمر يتعلق بـ “توحيد قطب التدبير” وليس دمجاً للأنظمة المالية أو التقاعدية. بمعنى أن نظام التأمين الصحي الخاص بموظفي الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية سيبقى محتفظاً بقواعده وتمويله وخصوصياته، مع انتقال التدبير الإداري ومعالجة الملفات إلى البنية التحتية الرقمية واللوجستيكية الواسعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وقد حرصت الجهات المعنية على التأكيد مراراً وتكراراً على أن الحقوق المكتسبة للمؤمنين وذوي حقوقهم من موظفي القطاع العام مصانة بالكامل، ولن يطرأ أي تغيير يمس بنسب التعويض، أو سلة المعالجات الطبية، أو شروط الاستفادة من التغطية الصحية الأساسية.
ولمواكبة هذا الانتقال السلس، تضمنت الترتيبات التنظيمية والتشريعية المرتبطة بهذا الورش جملة من المقتضيات الانتقالية؛ أبرزها:
استمرار دور التعاضديات: ستبقى الاتفاقيات المبرمة مع التعاضديات التابعة للقطاع العام سارية المفعول لفترة انتقالية أقصاها خمس سنوات، وذلك لضمان عدم حدوث أي ارتباك في تقديم الخدمات الاستشفائية والاجتماعية التي اعتاد عليها الموظفون.
إعادة هيكلة نظام تغطية الطلبة: من المرتقب أن يتم إلغاء النظام الخاص بالتأمين الصحي للطلبة الذي كان يتولاه صندوق “كنوبس” سابقاً. وبموجب الترتيبات الجديدة، سيستفيد الطالب من التغطية الصحية باعتباره من “ذوي الحقوق” التابعين لوالديه إلى غاية بلوغ سن الثلاثين (شريطة استمرار مساره الدراسي)، أو الانتقال إلى نظام “AMO تضامن” بالنسبة للفئات غير المستفيدة من تغطية أخرى، مما يضمن اندماجاً أفضل وعدم ضياع حقوق الطلبة.
يأتي تفويض تدبير “AMO القطاع العام” للـ CNSS في ظل رهانات كبرى ترتبط أساساً بتجويد الخدمات الإدارية. فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي راكم تجربة مهمة وميدانية واسعة في تدبير التأمين الإجباري عن المرض بالنسبة للقطاع الخاص، فضلاً عن إشرافه الناجح على توسيع التغطية لتشمل العمال غير الأجراء والفئات الهشة عبر نظام “AMO تضامن“.
ومع ذلك، يضع المتتبعون الشأن الاجتماعي أمام عتبة تحديات عملية تستوجب اليقظة والجاهزية القصوى من طرف إدارة الصندوق، ويتعلق الأمر بـ:
ستمرارية الخدمات دون انقطاع: ضمان انسيابية في معالجة ملفات المرض وتعويضات المؤمنين خلال الأسابيع الأولى من الانتقال الإداري في فاتح فبراير 2027.
الرفع من جودة استقبال المرتفقين: امتصاص أي ضغط محتمل ناتج عن دمج قاعدة بيانات موظفي القطاع العام مع الأعداد الهائلة للمؤمنين الحاليين في القطاع الخاص وغير الأجرآء.
تعزيز الرقمنة: استثمار المنصات الرقمية المتطورة للـ CNSS لتسريع مسارات استرداد المصاريف وتقليص الآجال الزمنية للتعويض.
يندرج انتقال تدبير التأمين الإجباري عن المرض الخاص بموظفي القطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضمن الرؤية الملكية السامية المتعلقة بإصلاح القطاع الصحي وإرساء دعائم الدولة الاجتماعية. ويمثل هذا القرار خطوة استراتيجية نحو إرساء “قطب عمومي موحد للتدبير“، مما سيسهم على المدى المتوسط والبعيد في تقليص التداخلات المؤسساتية، توحيد مساطر الولوج للعلاج، وعقلنة تدبير الموارد المالية المخصصة لقطاع الصحة بالمملكة، بما يخدم مصلحة المواطن ويضمن استدامة المنظومة برمتها.

مواضيع قد تهمك
اترك تعليقاً