أثار اللقاء الصحفي الأخير الذي جمع الصحفي حميد المهداوي بالسياسي ورجل الأمن السابق محمود عرشان جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والحقوقية المغربية، وسط انتقادات حادة لـ”التعثر المهني” في إدارة حوار استثنائي كان يفترض أن يشكل محطة للذاكرة الجماعية والمساءلة التاريخية. فبدلاً من إخضاع الضيف لاختبار الحقيقة ومواجهته بملفات الثقيلة، تحول اللقاء –وفق خبراء إعلاميين– إلى منصة آمنة سمحت لعرشان بتبييض مساره وتمرير روايته الأحادية.
انعقد اللقاء في ظرفية تسائل مرحلة دموية وحساسة من تاريخ المغرب المعاصر المرتبطة بـ”سنوات الرصاص”. وكان الرهان معقوداً على الصحفي لتقمص دور “حارس الذاكرة” ومحاصرة مسؤول أمني سابق حول تقاطعات إدارته مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن مجريات الحوار جاءت مخيبة لآمال المهتمين بالشأن الحقوقي، بعدما أخفق الصحفي في تحويل الجلسة إلى محكمة شعبية وتاريخية رصينة تقارع الحجة بالحجة بل تحول إلى ما يشبه متهم مصفد اليدين ومكموم الفم يحملق بعينيه وهو جالس أمام رجل أمن محنك استطاع أن ” يبهدله ” أما أعين الجميع
سجل متابعون مهنيون هفوات تقنية واستراتيجية فادحة شوهت المضمون الصحفي للقاء، وأبرزها:سقط المهداوي في مطب الاعتماد على معطيات غير مضبوطة ووثائق غير مدققة (مثل الرسالة المنسوبة لجمال بنعمر)، والوقوع في خلط أسماء وشخصيات تاريخية. هذا الضعف التحضيري منح الضيف “هدية مجانية” لنفي الاتهامات برمتها والتشكيك في مصداقية الملف الصحفي ككل. تحول المحاور من بواب على دفة النقاش إلى مستمع منفعل، سامحاً لعرشان بالهروب نحو التفاصيل الهامشية وتحديد إيقاع الحوار وحصره في محطات زمنية ضيقة، عوض النبش في العمق التاريخي.
طغى هاجس المشاهدات والتفاعل الرقمي على الجانب المعرفي والأخلاقي، حيث ميز اللقاء ميل نحو الاستفزازات الجانبية وغياب الوقار الحقوقي اللازم عند معالجة مآسي الضحايا.
أمام نفور الضيف ودفعه بكونه كان ينتمي للشرطة القضائية حصراً، عجز المهداوي عن محاصرته بأسئلة تقنية دقيقة حول تداخل الصلاحيات الأمنية وتناقضها مع شهادات الضحايا الحية.
أظهرت هذه المحطة الإعلامية حاجة ماسة لدى الصحافة الرقمية المستقلة لتطوير أدوات المواجهة والتدقيق عند مقاربة ملفات الماضي الأليم؛ إذ إن غياب التكوين الاستقصائي المتخصص في قضايا حقوق الإنسان قد يحول المساءلة الصحفية –عكس مرادها– إلى خدمة مجانية لتبييض التاريخ بدل كشف حقيقته.

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً