الأستاذ محمد خليلي

جئت إلى باريس لا كسائح… بل كأب جاء يطمئن قلبه على ابنتين تركهما هنا بين الإسمنت والبرد…
باريس… رآها طه حسين مدينة الجن والملائكة… و رأيتها بعين الأب: مدينة قاسية… قد تبتسم للعابرين… لكنها تشيح بوجهها عن الذين طال مقامهم…
مشيت في شوارعها وأنا أعد الخطوات… كأنني أخاف أن تبتلع المدينة بقايا الطمأنينة التي جئت بها… الطرقات مضاءة… لكن الضوء هنا لا يدفئ… بل يضيء فقط ليكشف عن وحدة العابرين…
جلست في مقهى قريب من برج إيفيل…أراقب الوجوه…رأيت أبناء بلادي في تقاسيم الغرباء… يحملون حقائب ثقيلة وأحلاما أثقل…. لا هم هنا تماما… ولا استطاعوا أن يبقوا هناك…
ابنتاي تدرسان هنا… تحلمان… وتقاومان البرودة بالعلم والأمل… لكن قلبي كان مع آخرين لا يملكون ترف الحلم… مهاجرون تلفظهم المدينة بهدوء…كما يلفظ البحر حطام سفينة بعد العاصفة…
باريس لا تصرخ في وجهك… هي فقط تغلق أبوابها بلباقة…وتتركك واقفا… تفهم الرسالة وحدك…
نهر السين يحمل فوق مياهه أضواء المدينة.. مكسورة كأنها مرايا لأحلام لم تكتمل…. وبرج إيفيل واقف كشيخ حديدي… يشاهد… ولا يتدخل…
تألمت… لا من أجل نفسي… بل من أجل هؤلاء العالقين بين نارين… نار غربة تحرق ببطء… ونار واقع في بلاد الاصل يدمي القلب ولا يترك خيارا…
هنا… فهمت أن الهجرة ليست رحلة… بل اختبار قاس للصبر والكرامة… وأن الآباء يرحلون ليزوروا أبناءهم… لكنهم يعودون بحمل أثقل… خوف صامت ودعاء طويل بأن تكون الغربة أرحم من الوطن…
بين باريس ووطني الدافئ بالقلب لا بالواقع… أدركت أننا نترك أبناءنا للعالم… لأن العالم لم يترك لنا خيارا آخر…

مواضيع قد تهمك





اترك تعليقاً